عيناتا الجنوبية مسقط المرجع فضل الله تتمسك بفاجعتها وكبريائها

مقاومتها الأتراك والغزاة وتاريخها العلمائي من أبرز سماتها

 

 

يفخر أبناء بلدة عيناتا الجنوبية بأن بلدتهم الصغيرة أنجبت عدداً من رجال الدين والفقهاء ولا تزال منبعاً لهؤلاء، عدا عن ان القرية الوادعة استحقت عن جدارة أن تكون حاضرة جبل عامل، وهي مسقط عائلة فضل الله وفقيدها العلامة المرجع محمد حسين فضل الله.

لا تزال اللافتات السود تكلل مئذنة مسجد بلدة عيناتا (بنت جبيل) حداداً على عالِمها وفقيهها المرجع السيد محمد حسين فضل الله. وابناء البلدة والجوار لا يصدقون ان السيد قد رحل عن هذه الدنيا، ولن يعود الى بلدة تميزت بمدرستها الدينية التي تتلمذ فيها عدد من رجال الدين، من عيناتا وجاراتها، على يد اساتذتها من عائلة فضل الله. وهؤلاء هم من السادة، فيما يعدّ الفلاحون من العامة، علماً ان هؤلاء، وفق ما يذكر المؤرخون، كانوا يهبون اراضيهم الى علماء الدين عوض خسارتها ودفع مبالغ تفوق انتاجها لضريبة "الويركو" التركية لأن العلماء كانوا معفيين من الضرائب والتجنيد الاجباري.

 

السادة: انسباء النبي

تصف الباحثة خديجة علي أيوب بلدة عيناتا بأنها "موغلة في القدم ويرجع تاريخها الى الألف الثاني قبل الميلاد وحكمها الهكسوس والفراعنة والرومان، وصولاً الى الفتح الاسلامي والانتداب الفرنسي، وفق ما تذكر في كتابها "تاريخ عيناتا الاقتصادي والاجتماعي والسياسي 1920 - 1978". وتعتبر ان البلدة شكلت منذ أواسط القرن السادس عشر المقر الاساسي لأسر العلماء ورجال الدين من عائلة فضل الله حتى يومنا هذا، وحظي أفرادها بمكانة اجتماعية وعلمية مهمة داخل المجتمع العيناتي وخارجه، وهم يلقبون بـ"السيّاد" أو السادة. ولقب السيد يعطى عند المسلمين لمن يرقى نسبه الى النبي محمد (صلعم) عبر أحد الأئمة الاثني عشر (ع) وهو يلحق بالمتعلم والأمي على السواء، كما يلحق بالمرأة فيقال لها "الشريفة" وهو يغلب على لقب الشيخ والحاج، وأفراد عائلة فضل الله يعتمرون العمامة الخضراء أو السوداء لتمييزهم عن الشيخ الذي يرتدي عمامة بيضاء.

وتميزت عائلة فضل الله، اضافة الى ارثها الديني والعلماني، بانها من العائلات المحافظة على تماسكها وتكاثرها، بزواج القربى في الدرجة الاولى والزواج الخارجي مع أسر الاعيان والزعماء والعلماء في جبل عامل مثل عوائل مغنية، شمس الدين، شرارة، بزي... الخ. وهذا الامر بدا جلياً في بلدة عيناتا وفق المعمر السيد نجيب ابرهيم (103 أعوام) حيث أقامت عائلة فضل الله في حارة واحدة قرب المسجد القديم، ولم تكن هناك حالات زواج تجمع عائلة فضل الله وعائلات أخرى في بادئ الامر و"أذكر ان أحد علماء فضل الله رفض تزويج ابنته لأحد أبناء بلدة الخيام، ولكن بعد سنوات عدل عن رأيه وكان مهر الفتاة صاعاً (يستعمل لكيل الحبوب) مملوءاً بالذهب".

 

مدارس عيناتا: أساتذة وفقهاء

عرفت المدارس الدينية طريقها الى عيناتا وعرفت تطورها مع عائلة فضل الله والشيخ موسى مغنية، علماً ان النجف كان (ولا يزال) قبلة الطامحين الى تعلم الفقه والتمرّس في الامور الدينية. وأسس السيد نجيب فضل الله مدرسة عيناتا بمشاركة الشيخ مغنية في العام 1897 وفق ما يذكر حفيد الاخير يوسف نظام الدين فضل الله في كتابه "منارة الفقهاء - الشيخ موسى مغنية". وتعتبر عيناتا من الحواضر العلمية التاريخية في جبل عامل وموطناً لفقهاء كثر ومركزاً ثقافياً مشهوراً، وأقام فيها علماء من عائلة خاتون الذين بنوا مسجدها القديم. وفي بدايات القرن العاشر الهجري وصل الشريف حسن جد عائلة فضل الله، والاخيرة جددت النشاط الادبي والثقافي والتعليمي في عيناتا. وحفل تاريخ البلدة العريق بعدد من علماء الدين الذين ساهموا في نشر التعاليم الدينية عبر المدارس العلمية، ولا يزال أهالي البلدة يذكرون تميز السيدة جميلة طالب فضل الله في تدريس معظم أبناء البلدة مطلع القرن الفائت وينوه ابرهيم بمزايا السيدة. ومن جهة ثانية يذكر ان مدرسة عيناتا القديمة كانت تضم 5 غرف وسقفها من الخشب ولا تزال اطلالها واضحة حتى يومنا هذا. ومن أبرز تلامذتها السادة محسن الامين ومحمد سعيد فضل الله وعبد الرؤوف فضل الله وعبد اللطيف فضل الله.

أما المرجع الراحل السيد محمد حسين فولد في النجف وتلقى دروسه هناك بعدما تتلمذ على والده السيد عبد الرؤوف، وكان تلميذاً لكبار المراجع والعلماء في النجف امثال المرجع الراحل السيد أبو القاسم الخوئي.

 

مقاومة من عهد الاتراك

ينقل بعض المعمرين في عيناتا ان الاتراك زحفوا الى البلدة في العام 1916 لالقاء القبض على أحد المطلوبين السيد جواد فضل الله الذي أعدموه في وسط بلدة بنت جبيل. وفي العام 1920 أثر تداعيات حوادث ذلك العام وغداة انعقاد مؤتمر الحجير، فجعت عائلة فضل الله وبلدة عيناتا بمقتل اثنين من أبنائها هما السيدان محمد حسين وعبد المنعم، فيما نجا ثالث من العائلة وفق ما يذكر الزميل حسين أيوب في بحثه عن بلدته عيناتا.

لم تعرف عيناتا المساكنة مع الاحتلال، فكانت متمردة على المحتلين ولم توفر الاقطاع والاقطاعيين، وفق المعمر السيد ابرهيم ان خلافاً نشب بين أحد الفلاحين ورجال الراحل كامل الاسعد (جدّ الرئيس الراحل كامل الاسعد) وشكا هذا الفلاح أمره الى السيد نجيب فضل الله والد السيد عبد الرؤوف وجدّ العلامة المرجع السيد محمد حسين ووجه السيد رسالته الشهيرة الى الاسعد وفيها:

"(...) الى فرعون البلاد وجرثومة الفساد، لأهدمنّ مجدك ولأقوضنّ عزك وان لم تنته عن غيّك لنهيناك". ولعبت عائلة فضل الله دوراً مميزاً في مواجهة التطبيع مع اليهود قبل النكبة، وأصدر عدد من علمائها فتاوى تحرّم بيع الاراضي لليهود، على خلاف توجه بعض الاقطاعيين في تلك الحقبة.

ولم تكن مقاومة الاتراك والفرنسيين حكراً على عائلة فضل الله، وتشهد انتفاضة العام 1936 على شجاعة شباب عيناتا في رفض الاستغلال عندما انتفضوا ضد الشركة الفرنسية المحتكرة للتبغ عامذاك مطالبين برفع اسعار التبغ المحلي. وخلال المواجهات مع القوات الفرنسية سقط كل من محمد الجمال وعقيل الدعبول من عيناتا، اضافة الى مصطفى العشي من بنت جبيل، وفق ما يذكر أحد المشاركين في تلك الانتفاضة المناضل العتيق ابرهيم نعيم بري، ورثى السيد صدر الدين فضل الله الشهيدين دعبول والجمال بأبيات شعر قال فيها:

ان الشجاعة والبسالة ضمنا

جدتا يضم محمداً وعقيلا

نذر نعما وجدا وقد حمى القضا

غير الشهادة للحياة سبيلا

***

 

لا يتوقف تاريخ عيناتا عند العام 1936 لأن حراك ابنائها في تمايز دائم، وكذلك مقاوميها الذين جسدوا الوفاء للوطن والدفاع عن حدوده في محطات عدة، كان آخرها عدوان تموز 2006 وسقوط 14 شهيداً من خيرة شباب عيناتا، وهم ممسكون بنادق وبيارق العزة... والنصر.

 

30 عاماً على أول اجتياح إسرائيلي واسع للجنوب
19 March 2008
Print View إضافة تعليق على الموضوع أرسل لصديق


قبل 30 عاماً اجتاحت القوات الإسرائيلية الجنوب في اول عملية توغل كبيرة منذ قيام كيانها في العام 1948، علماً ان اجتياحاً محدوداً لبلدتي بنت جبيل وعيناتا وغيرهما حصل في كانون الثاني 1972. 
وعامذاك تصدى "الحرس الشعبي"، الذراع العسكري للحزب الشيوعي اللبناني، للإسرائيليين، واستشهد علي ايوب من عيناتا في ذلك الإجتياح. 

قليلون ربما يتذكرون ان اسرائيل اجتاحت لبنان للمرة الأولى قبل 30 عاماً، وتحديداً في الخامس عشر من آذار 1978.

يومذاك اعلن ان تل ابيب تقوم بعملية تطهير ولن تصطدم بالجيش اللبناني او "قوات الردع العربية". ورغم المزاعم الإسرائيلية بعدم ايذاء السكان المدنيين في الجنوب، فإن مجازر عدة ارتكبتها اسرائيل في الخيام وغيرها من البلدات والقرى الجنوبية، وكذلك في منطقة الأوزاعي، حيث قتل العشرات جراء الغارات الإسرائيلية. والمفارقة ان عدداً من الضحايا كانوا هربوا من الجنوب الى بيروت وضواحيها حيث لقوا حتفهم ومن هؤلاء عائلة من آل جعفر.

اما النازحون من الجنوب فتوزعوا على صيدا وبيروت، واقيمت لهم المخيمات مما ذكرهم بمعاناة الشعب الفلسطيني.
ورغم صدور القرار 425 في 19 آذار 1978، الا ان اسرائيل، وكعادتها، لم ترتدع ولم تنفذ هذا القرار. وكان السفير اللبناني الأسبق لدى منظمة الأمم المتحدة غسان تويني من ابرز واضعي نص ذلك القرار، وفي خطابه امام مجلس الأمن ردد عبارته الشهيرة "دعوا شعبي يعيش في سلام".

ناجون من المجازر
في بلدة الخيام الحدودية، كان الطقس الربيعي يرخي بنسيمه العليل على ارجاء البلدة، وابنائها يتابعون حياتهم اليومية. الا ان هدير الدبابات كان يقترب، وبدأت المعلومات تصل عن اجتياح للبلدة. تجمع بعض النساء والشيوخ في منزل أحمد عبد الله، ولكن دخول الميليشيات المتعاملة مع القوات الإسرائيلية كان سريعاً.

وفي احد المنازل ارغم من بقي في البلدة على التجمع، وبعد تحقيق قصير، اعدم معظم هؤلاء باستثناء واحد منهم.
منى حمود (43 عاماً) كانت في الخيام عندما اجتاحها المتعاملون مع اسرائيل في بداية الأمر، وهربت مع اهلها الى البقاع، وتعود بالذاكرة الى العام 1978 "عامذاك كان عمري 13 عاماً، شاهدنا الدبابات الإسرائيلية تقترب من البلدة. وبعد لحظات بدأ الفلسطينيون مغادرتها ودخلها بعض اهالي القرى المجاورة، وفي الساحة تجمع عدد من المشايخ الذين رفضوا مغادرة الخيام.

هناك تم اعدامهم، ولم نعد نعرف عن البلدة اي شيء، الى ان عدنا اليها في العام 1982".

اما المختار ادهم عبد الله فيصعب عليه تذكر تلك الأيام السود في تاريخ الخيام، ويذكّر باغتيال الدكتور شكرالله كرم والد الوزير السابق كرم كرم "دخلوا عيادته واردوه قتيلاً. كانوا من بلدة مجاورة، وبعدها غادرنا البلدة الى بيروت وعدنا بعد التحرير عام 2000".

اما من كتب له النجاح في الهرب من الخيام فتوجه نحو حي السلم في الضاحية الجنوبية لبيروت، على امل العودة الى البلدة بعد ايام.
ويروي محمد خنافر، من بلدة عيناتا الحدودية، ان الإسرائيليين دخلوا البلدة من دون ان يرتكبوا المجازر، لكن حالة الذعر في عيناتا كانت غير مسبوقة رغم وجود قواعد عدة للفدائيين والشيوعيين على مشارف البلدة. لكن التفوق العسكري الجوي والبري الإسرائيلي حسم المعركة، وسقط شهيد من عيناتا هو ابرهيم فرج بعدما سقط من صندوق سيارة في بلدة وادي جيلو. 

حكاية النزوح
كانت شمس الربيع ترخي أشعتها الخفيفة على البيادر في قرية عيناتا. الحركة العادية في البلدة لم يكسر رتابتها سوى ضجيج "الثوار" اليسار والبعث بشقيه السوري والعراقي. لكن اصوات القذائف الاسرائيلية كان يشي ان رتابة عيناتا لن تدوم طويلاً، فالطائرات الاسرائيلية بدأت تحجب اشعة الشمس والاخبار السيئة تلوح في الافق. انه الاجتياح الثاني لعيناتا بعد اربعة اعوام من الاجتياح الاول، عامذاك تصدت البلدة للغزاة وخرج ابناؤها للمواجهة وسقط الشهيد علي ايوب على تلال البلدة بعد مواجهة غير متكافئة مع دبابات العدو.

"يلا يا شباب نزلوا الشيوخ والنساء والاطفال الى الملاجىء" يصرخ البعثي العراقي علي. إ. ومن في امكانه مغادرة البلدة فلا يتأخر. الآليات العسكرية الخفيفة للحزب الشيوعي تجوب اطراف البلدة، والشباب توجهوا الى تلة مسعود ومنطقة صف الهوا، حيث يتمركز الفدائيون الفلسطينيون والقوات المشتركة.

في هذا الوقت بانت طلائع السيارات والحافلات المكتظة بعشرات الجنوبيين من بنت جبيل وعيترون وبليدا وغيرها من القرى الحدودية، واتجهت المواكب الى مدينة صور.

من صور تفرق النازحون في اتجاهات عدة. بعضهم قرر الذهاب الى بيروت، والآخرون الى صيدا وعدلون، ومنهم من بات ليلته الاولى في صور. كان الاعتقاد ان العودة الى المنطقة الحدودية لن تطول لان اسرائيل لا تنوي احتلال الجنوب.

احدى عائلات عيناتا وصلت الى بيروت مساء، وباتت ليلتها الاولى في مخيم صبرا للاجئين الفلسطينيين. وفي اليوم التالي قصدت منزل احد الاقارب في منطقة المصيطبة، فالاخير موظف في وزارة المالية ويقيم في المدينة منذ 10 اعوام، لكن منزله صغير ولا يتسع لاكثر من اربعة اشخاص، والعائلة النازحة عدد افرادها عشرة. لذلك كان الاستقبال فاتراً وعادت العائلة ادراجها الى مخيم اللاجئين في صبرا.

اذا كانت هذه العائلة وصلت بأمان الى مخيم صبرا، فإن آخرين مشوا في تظاهرة متفرقة، نساءً واطفالاً وشيوخاً. منهم من انتظر طويلاً، ومنهم من رضي الركوب على ظهر الحافلات والجرارات الزراعية وصولاً الى مشارف صور حيث الأمان الموقت. وآخرون انتقلوا الى بيروت. والى ضاحيتها الجنوبية قرب الأوزاعي تجمهر عدد من الأهالي في انتظار الأقارب. 

بعضهم وصل واستطاع تأمين مأوى، والآخر لم يصل وفضل البقاء في الجنوب. عائلة مؤلفة من 10 اشخاص استقلت جراراً زراعياً الى صور، ومن هناك وجدت باصاً نقلها الى بيروت. لكن ماذا يفعلون في بيروت وهم لا يعرفون احداً؟ بالمصادفة وصلوا الى الأوزاعي، هناك منزل مهجور كانت تشغله "قوات الردع العربية" وفيه غرفة واحدة صالحة للسكن. فيها تكدس 22 شخصاً. وبعد اسابيع شرعوا في ترميم بقية الغرف وظنوا ان الإقامة هنا لأسابيع او اشهر. واذا بها تطول الى 24 ايار 2000. فقط 22 عاماً و68 يوماً بالتمام والكمال!

بعد هذه المحطة "البيروتية" لم تعد البلدة تعني لهم الكثير. صحيح ان الأرض اشتاقت الى شتلة التبغ وسنابل القمح، لكن الأولاد الذين باتوا شباناً وصبايا وجدوا عملاً في العاصمة. الفتاة الكبرى اصبحت ممرضة في احدى المستشفيات الخاصة، والأخرى اختارت ايضاً مهنة التمريض، اما الشباب فالتحقوا بالمدارس في بيروت واليوم هم على اهبة الإستعداد للسفر.

22 عاماً تخلى خلالها بعض الجنوبيين عن حياتهم التقليدية. اضحوا من سكان العاصمة وضواحيها. لم يعد منزل العائلة في عيناتا الا ذكرى، يزورونه مرة في الشهر. وربما مرة في السنة.

تزوج الشبان وكذلك الفتيات. منهم من سافر الى الولايات المتحدة الأميركية، والسعودية وبريطانيا... الخ. ومنهم من ظل اميناً على عهد العودة الى عيناتا، لكن الحرب لم تبق عددهم كما كان، فاختطفت تباعاً الأب والإبن البكر وكذلك الإبنة الصغرى. لم يتسن لبعضهم زيارة الأضرحة. بعد 24 ايار 2000 هبوا الى الجنوب وقرأوا الفاتحة على اضرحة احبتهم.

هي عائلة جنوبية ارغمها الإجتياح الأول على مغادرة عيناتا الى بيروت، وارغمتها الحرب الداخلية على الهجرة، او الإلتحاق بالأحزاب "الوطنية". والمصير كان اما الموت او الغربة القسرية المستمرة حتى اليوم. ليس مهماً ذكر اسماء هذه العائلة لكنها واحدة من مئات العوائل الجنوبية التي وفدت الى العاصمة ولم تغادرها منذ 30 عاماً، واصبحت عيناتا مجرد ذكرى بالنسبة اليها. وخصوصاً ان عدوان تموز الأخير لم يبق منزلاً ولا حتى شجرة. على امل ان يكون المنزل الجديد المنجز بأموال قطرية بادرة خير، لن تدمره حرب مقبلة، لكن الحرب المقبلة... مقبلة؟!. 

التصدي المحدود للاجتياح
لم تكن الفصائل الفلسطينية والحركة الوطنية تتوقع اجتياحاً بهذه السرعة رداً على عملية الفدائية دلال مغربي، لكن هدف اسرائيل كان ضمان امن منطقتها الشمالية وارسال رسالة مفادها ان اي عملية اسرائيلية ستواجه بردٍ قاسٍ. لكن تقدم قوات العدو واجهته الفصائل الفلسطينية والأحزاب الوطنية، وأحد المشاركين في التصدي لقوات الإحتلال من بلدة عيناتا علي إ. يقول "لم نكن نتوقع الإجتياح الإسرائيلي، ولكننا قاومنا العدو في صف الهوا (بنت جبيل) وقانا ورب ثلاثين".

ويؤكد المقاتل السابق ان بلدة عيناتا قاومت الإسرائيليين عبر "حركة الأنصار" التي شكلها الشيوعيون بعد تجربة المرسى الشعبي.

خليل: الصدر 
أول المحذرين من الاجتياحات
النائب علي حسن خليل يعتبر ان اجتياح العام 1978 كشف حقيقة المشروع الإسرائيلي بالتوسع على المستويين الإقتصادي والسياسي، وخصوصاً ان الأمر كان موضع تحذير من الإمام السيد موسى الصدر، نظراً الى ان لبنان يشكل النقيض لإسرائيل.

وسهل الأمر مسألتين:
- عدم وضوح الخيار السياسي اللبناني لجهة دور لبنان وانتمائه.
- الإنقسام والحروب الداخلية من جهة ثانية.

ويضيف "هذا ما كان يحذر منه الامام الصدر في كل المراحل التي سبقت الإجتياح، فدعا الى ادراك مخاطر المشروع الإسرائيلي في المنطقة، كما دعا الى السلام الداخلي باعتباره افضل وجوه الحرب مع اسرائيل".

ويؤكد خليل ان همجية اسرائيل كانت واضحة في هذا لإحتلال من حيث ادارتها وتغطيتها اكثر من مجزرة في الجنوب، ما شكل امتدادا لمجازر سابقة في بلدة حولا الحدودية (1949) وصولاً الى العام 1978 عبر مجزرة الخيام، وما سبقها عملية تصفيات لرموز وطنية كثيرة منها الدكتور شكرالله كرم. اما عن مجزرة الخيام فيقول "هذه المجزرة اتت انتقاماً لدور هذه البلدة التاريخي المميز وموقعها في صناعة التاريخ المقاوم والممانع لبلدة طبعت الحياة السياسية عبر الكثير من قادتها وابنائها الذين لعبوا دوراً مركزياً في هذه الحياة".

ويختم "اتت المجزرة لتكمل مشهد الدمار الشامل الذي احدثه العدو في الحجر، في محاولة لقتل اي مشهد حياة في هذه البلدة. لكن ارادة الحياة جددت مشهد قيامة حقيقية للخيام اكثر من مرة".

وتجربة الهدم المنظم خلال عدوان 2006 بالطيران والسرعة القياسية لعودة الناس اولاً ولورشة اعادة الاعمار من جهة ثانية، خير دليل على ان ارادة الحياة اقوى بكثير من ارادة القتل لدى الإسرائيليين.

عباس الصباغ 
النهار

www.saidaonline.com
صيدا اون لاين
R.C
طلال طـــه - بنت جبيل .اورغ - 16/11/2009م - 4:05 ص | عدد القراء: 1317

 


الأسبوع الماضي، ليلة البارحة، قبل الساعة.. شاركت – على غير عادة مني – في حفلة عرس لأهل عيناتا!..
هل تنتمي الأعراس للمدن والقرى والمطارح والأمكنة والكروم؟.. وهل يمكن نسبة عرس إلى ضيعة؟.. هذا ما أفعله في هذه المقالة، لأن هذا ما أتقنه أهل عيناتا في ليلة عرسهم!..
كان عرسا يشبه كل شيء جميل في الضيعة.. وفي الوطن، كان الشباب مثل طيور لم تخطىء سربها، وكانت أسراب لم تخطىء فضاءها.. وكان فضاءا مفتوحا على "الدبكة"، تزدهر كرنفالا من زرع وسقي وحصاد وخير وفير..
تجمعت عيناتا في قاعة احتفالات فخيمة، تزف عروس إلى فتاها، وتزف إلى المدينة قوس فرح من ألق المكان ورائحة الضيعة، خليط من المكان والتراث، أحسن أهل عيناتا في تركيب "خلطتهم" وتظهير ضيعتهم، ساحة تضج بالشعر والحركة والإيقاع والفرح الأنيق..
انتشر أهالي الضيعة في ساحتها من جديد، أعادوا ترتيبها وفق مزاجهم الطري، الخلي، الرضي، الوفي، الهني.. فتشكلت حلقة "الدبكة" وأرخى الفرح ظله الوفير وانتشرت رائحة الزعتر البري والخزامى، وتوزعت النسوة على حبال الغسيل ينشرن زغاريدهن البهيجة..


* * * * * * * * * *

لست أدري!..
كيف يمكن لهؤلاء الشباب أن يعجنوا طحين الفرح، ويخبزوه ويوزعوه رغيفا ساخنا على الحضور؟..
كيف يمكن أن تتحد وتتوحد جالية بشيبها وشبابها وفق إيقاع واحد، لم يخطئ خطوهم ولم تزل بهم قدم ولا تأخر بهم نغم أو تعجل بخطاهم وتر أو إيقاع!..
كيف يمكن لهذه الصناعة العجيبة والرياضة الرتيبة: الدبكة، أن تكون بهذه الرمزية، فتتمثل الغربة ضيعة، وتتمثل الضيعة وطنا، وطن نعيشه في ليلة عرس وعشق وعز وعزم.. وعيناتا!.. 
رأيت في هذا الجبل المتلاطم من الأذرع والصدور سياجا يلف ساحة الضيعة بالقوة، وخبطة القدم التي لا تخطىء – مثل رمية لا تخطىء، مثل طلقة لم تخطىء، مثل صلاة لا تحيد أو دعاء لا يخيب!..
سياج يلف الضيعة ثم يمتد يلف الوطن، يحوطه بالأجساد المتلاصقة، والأذرع المتعالية، وشلالات الفرح والعزم تتقد في العيون والملامح التي رسمت بهجتها.. فكانت سهرة تشبه عيناتا، ضيعة تعد بالقمح والغلال، وترغمك على الثقة بشهدائها!..
فعلى وقع موسيقى منحازة الى القرى، واشعار ممعنة في المباشرة، وأهازيج لا يمل محازبيها.. أحسست أن "الدبكة" تقاوم أيضا!..
أسر لي أحدهم، وكان في استراحة بين جولتين: عندنا في عيناتا من كل شيء!
لعله قال لي: في النهارات عندنا الحقل، وفي سهرات الأنس عندنا الشاي والشعر، وفي الأعراس عندنا "الدبكة"، وفي سوح القتال "ندبكها" في الميركافا.. وكان بليغا!
إنها "الدبكة"، تدافع عن أسوار الضيعة، تمنع غازيا، تنصب كمينا، تزرع عبوة، تسهر حتى الفجر.. تنشغل بوضوء عجل وصلاة كثيفة.. ثم تستعد و تتهيأ لتزف عروس الى عريسها.. إنها عيناتا!..


* * * * * * * *

هل رأيت شهداء يعقدون حلقة "الدبكة"؟.. شهداء يرقصون حول شهيد؟ 
هل رأيت شهداء يحبون الحياة؟ يحبون صخبها وضجيجها ومتعة الشاي قبل الغروب، ومتعة الحصاد قبل الرصاص.. إنهم أهل عيناتا!.. 
زفوا شهداءهم العام الماضي، ويزفون عرسانهم في هذا العام، وما يليه من أعوام واعدة!..
يحبون الحياة رغم آثار السجود فوق جباههم، ورغم الوجع البادي في الملامح الصعبة، يفتعلون حياة جديدة فوق ركام المنازل والأزقة، يحملونها من الضيعة الى ساحة المدينة، يركمون همومهم فوق أحجارها، يوقدون نار القلوب، ثم يعقدون حلقة "الدبكة".. ويمارسون طقوس الحياة التي يحبونها.. على طريقتهم!..

* * * * * * *

أنتظر عرسا آخر لأهل عيناتا، لأنهم صانعو فرح في مدينة يضغط على مشاعرها العجز والفراغ والحمل الكاذب والورم والعقم والخيبات المتكررة.. والصراخ!..
شكرا أهل عيناتا.. لا زالت الأفراح في دياركم عامرة..
شكرا أهل عيناتا.. لا زلتم توقدون شموع الفرح، وانتم ذخيرتنا من الخير والخبز، وسوف يكون لوقع أقدامكم دور في مواعيد الفرح القادم الى المدينة!.. 


•أفراح آل خنافر وسمحات في مونتريال – كنـــــــــدا
(محمود موسى سمحات و غدير داوود خنافر)

 

 

عيناتا 
جنبات عيناتا تفيض بالوقفات العنيدة مع السلاطين

 

السفير (22 تموز 2000)

 

حسين أيوب

"حيف يا فنجان فضة يكسرك فنجان صيني
حيف يا بلدة عيناثا يطلع من أرضك صهيوني"
نداء محفور في ذاكرة د منذر جابر.

"أم تيسير" منهمكة كعادتها في رعاية "المبقلة" وسقايتها على وقع حبحبة المياه المتراكضة في الخط المتعرج المرسوم لها وصولا حتى الدوالي المزدانة بعناقيد الحصرم الصغيرة الحب او كما يقولون عنها "المقساسي".

يصرخ أحدهم في مطلع الدرب الحجري المؤدي الى منزلها: "العوافي يا حاجة ام تيسير". هي لا تحب تسمية "الحاجة" لكنها ترد عليهم: "الله يعافيكم يا شباب شو فيي اخدمكم؟"

طلبوا منها ان تقول لهم "تفضلوا" وأتبعتها بكلمة "يا حبايبي" ظنت للحظة انهم رفاق أحد ولديها تيسير وسالم اللذين بكرا بإغلاق باب الحياة على نفسيهما فتركاها مجلببة بثوب من السواد عمره عقد من الزمن.

عندما سألوها عما اذا كانت قد تعرفت اليهم اجابتهم: "يا حياتي والله مش عارفتكم". قال الشاب الملتحي: "نحن وعدناك في يوم من الايام بأننا اذا نجونا وعدنا الى عيناثا محررة سنأتيك مباركين لك العهد الذي حلفت به". لم تفهم الحكاية فقال محدثها نفسه: "هل تذكرين يا 'أم تيسير' تلك المجموعة التي التقيت بها اثناء عودتك من السهرة عند جارتك 'ام أديب'؟" كانت تلك الجملة كافية حتى تهب من مقعدها وتنهال قبلا على صدور الشباب الملتحين وكانوا هم يرددون: "بارك الله بأمثالك يا أم تيسير".

ثلاثة مقاومين كانوا في مهمة استطلاعية في منطقة "السدر" في عيناتا فإذا بـ "أم تيسير" تغافلهم بفضل الخف الكاتم للصوت في قدميها. ارتبكوا عندما أصبحت وجها لوجه معهم فقالوا لها: "لا تخافي نحن من المقاومة الاسلامية". فكرت برهة وناجت نفسها بأن في الامر سوءا وخديعة ربما يكون وراءها العملاء لتوريطها في موقف ما، ووجهت حديثها لطيفا اليهم: "الله يحميكم مين ما كنتو تكونو". لم يقبلوا دعاءها المجهول الذي لحنته بحذر وقال احدهم: "اذا لم تصدقينا تحدثي الآن مع فلان". فأجابته: "صدقتكم"، فتمنى عليها ان لا تخبر احدا بأنها شاهدتهم "بما في ذلك زوجك 'أبو تيسير' لأنه يلقي الكلام دائما على عواهنه". هذه العبارة وحدها جعلتها تنبسط في سرها لأن من كان يحدثها يعرف زوجها جيدا فقالت لهم: "الله يحميكم ويخليكم لأمهاتكم". وقبل ان تنعطف يسرة نحو منزلها سألتهم: "كيف سأطمئن بأنكم ستعودون سالمين". فأجابها قائد المجموعة: "عندما تتحرر عيناتا سنأتي لزيارتك يا 'أم تيسير' لنبارك لك بالنصر القريب إن شاء الله".

وفت المجموعة المقاومة بالعهد وزارت 'أم تيسير' في الموعد المقطوع سلفا. قال أحدهم ضاحكا: "لقد سهرنا في تلك الليلة الماطرة تحت شباك غرفة نومك مع زوجك أبي تيسير وألقينا اسماعنا اليكما"، ضحكت 'أم تيسير' وضحكوا معها عندما أخبرتهم عن عادات زوجها الذي يرمي كلامه كأنه دائما في ساحة القتال. 


عيناتا والمقاومة 
تفيض جنبات عيناتا بحكايات المقاومة والمقاومين وتفوح منها نسائم عنفوان عاملي. الحكاية المسندة بالتواريخ والاسماء والوقائع تبدأ في العهد التركي يومها اشتعلت الحرب الكونية الأولى وتعرضت البلدة للبلاء. سيق شبانها للتجنيد الاجباري في اطار التعبئة العامة التي أعلنها جمال باشا ايام سفر برلك. بعد انضمام العهد الاتحادي الى المحور بزعامة الالمان أثيرت التناقضات المحلية على انواعها "وعندما زحف الأتراك الى عيناتا في العام 1916 لإلقاء القبض على احد المطلوبين، فر من دربهم لكنهم أسروه واخذوه الى بنت جبيل. كان رجلا بدينا يدعى السيد جواد آل فضل الله. ركـّب الاتراك 'المورينات' الخشبية في وسط 'سوق الخميس'، 'سوق الطرش سابقا،. وجهزوا حبل المشنقة. أصعدوا السيد جواد مكتوف اليدين وما ان أفلتوا المزلاج من تحت قدميه حتى قطع الحبل وسط تكبير الاهالي المجتمعين. قيل يومها، والرواي هو الحاج المعمّر محمد حسن قعفراني 104 سنوات، "انه بات حراما على الاتراك ان يعدموه مرة ثانية وقد حاولنا جمع الاموال لاستبدال الشدة التركية باللين لكنهم عادوا ونصبوا المشنقة ثانية وأعدموه".

كاد الامر يتكرر مع السيد طاهر آل فضل الله، يتابع الراوي، "فقد جاء العساكر سائلين اخته جميلة عنه لحظة كان هو يغادر عتبة منزله متخفيا بالعباءة السوداء التشادور، التي ترتديها النساء، فنفت علمها بمكان اختبائه فقرروا اخذها رهينة، وعندما وصلت الى 'عين الحوزة'، استأذنتهم 'شربة ماي'، فأعطوها موافقتهم فرمت بنفسها في البئر. أثار الامر هلع العسكريين وخافوا من ردة فعل الاهالي فأدبروا هربا نحو بنت جبيل وسمع شبان البلدة صراخ جميلة فأخرجوها من العين، سليمة، ضاحكة"، تاركة الحكاية صفحة من صفحات عز بلدتها وهي 'السيدة' التي لها حكايات اخرى في العلم والثقافة تعرفها عيناتا وقرى الجوار.


أحداث العام 1920
عيناتا كما بنت جبيل وعيترون وكونين، وجدت نفسها في مواجهة أحداث العام 1920 الشهيرة مع "عين ابل" في ذروة الانقسام الطائفي العاملي بين الشرق والغرب.

فقد شارك العيناثيون بشخص مختار بلدتهم محمد وهبي وعدد من أشرافها "السياد" في مؤتمر وادي الحجير واختاروا الانضواء تحت علم العروبة المشرقية الذي رفعه "أدهم خنجر". وعندما وقعت الواقعة مع "عين ابل" التي رفعت العلم الفرنسي ودافعت عنه، تعرضت عيناتا لحملة سوداء قتلا وتنكيلا وحرقا وسرقة وخسرت ثلاث مكتبات شهيرات اولاها لآل فضل الله وثانيتها للشيخ موسى مغنية أحد أساتذة مدرسة عيناتا الدينية وثالثتها لآل خاتون الذين أقاموا فترة طويلة في عيناتا قبل ان يهجروها نحو جويا.

وتتحدث البيوتات العائلية في عيناتا عن "بطولات". في تلك المواجهة كان بطل إحداها رجل مغمور لاحقته الطائرات الفرنسية النقاثة مع جنود فرقته حتى مشارف بلدة محيبيب وهناك سقط حسين علي أيوب صريعا ولا يزال قبره شاهدا حتى الآن على دوره في مقبرة محيبيب.

ويروي احدهم ان الحاج محمد ضاهر عربيد وبدافع علاقة الزراعة والزيتون والتبغ التي كانت قائمة بينه وبين آل خريش النصارى في عين إبل، بادر الى المغامرة والدخول الى البلدة المسيحية حيث اخرج الطفل بطرس خريش وخبأه في منزله في عيناتا وصار هذا الطفل بطريركا مارونيا له وقفاته المشهودة في لبنان والجنوب.

وغداة انعقاد مؤتمر وادي الحجير، فجعت عيناتا بمقتل شابين من خيرة شبابها وقعوا ضحية مكمن فرنسي قام باعتقالهما وهما السيد محمد حسين فضل الله والسيد عبد المنعم فضل الله كان برفقتهما رجل اخرس من آل فضل الله يدعى "حسين الاخرس"، وقد نجا بأعجوبة. وسيق الاول الى تبنين حيث اعدم شنقا فيما شنق الثاني في "خلة الدراس" في عيناتا ونقل جثمانه الى تبنين حيث اقيم لهما مزار لا يزال اهل بلدتهما والجوار يؤمونه حتى الآن. 


عيناتا والاقطاع 
"عداوة كار" بين عيناتا والاقطاع المحلي. من المرويات التاريخية ما يفيد "ان بعض العائلات الممسكة بخيوط السياسة في جبل عامل ولا سيما آل الاسعد كانت تعامل عامة الناس على قاعدة ان ارض الجنوب مطوبة لها بالكامل والكل يعتبر شريكا لها. تصدى لهذا الواقع السيد نجيب فضل الله واستحكم الخلاف بينه وبين كامل الاسعد الجد. حرّض "السيد" الفلاحين على عدم دفع ما قيمته ربع محاصيلهم الى المرابين التابعين للاسعد، فما كان من هؤلاء الاخيرين إلا ان طاردوا الخارجين عن الاصول المتبعة وصادروا من منازلهم ما يفي بالمبلغ المطلوب".

كان جبل عامل قد خرج لتوه من "سفر برلك" والناس في ضائقة شديدة. احد الفلاحين تعرض لظلم شديد على يد رجال "البكوات" وجاء شاكيا الى السيد نجيب فكانت رسالته الشهيرة الموجهة الى كامل الأسعد وفيها يقول:
"بسم الله قاصم الجبارين الى فرعون البلاد وجرثومة الفساد لأهدمن مجدك ولاقوضن عزك وان لم تنته عن غيِّك لنهيناك"!

لجأ الاسعد في النبطية الى السيد الجليل علي محمود الامين في شقرا صاحب مؤسسة المحمودية سعيا وراء اللعب على وتر تناقضات العائلات والعلماء المجتهدين لكن الامين رفض استقباله في دارته "إذا لم يعتذر من السيد نجيب ويتفق معه اولا". ويقال ان الاسعد اتى عيناتا ولم يخرج السيد نجيب لاستقباله إلا على بعد 20 مترا من منزله وقد قدم له الاعتذار قائلا: "والله لو امرت بقطع يدي الآن لفعلت". صار السيد نجيب الناطق باسم المظلومين بوجه المستبدين واعفيت عيناتا من دفع ربع الانتاج الذي كان يدفع لزعيم الاقطاعيين.

هناك واقعة ثانية بين عيناتا والاسعديين بطلها السيد صدر الدين فضل الله، الرجل المتواضع والشجاع الذي اصدر فتوى شهيرة بتحريم بيع الاراضي لليهود. حصل ذلك في منتصف الاربعينيات وقد حاول أحمد الاسعد استدراج السيد صدر الدين الى قبول الخمس من ثمن "المنارة" التي بيعت لليهود باعتباره حقا شرعيا لكن فضل الله ابلغ الوفد الذي جاءه مرسلا من الاسعد بأنه يرفض استلام المبلغ على فقره ولن يتراجع عن فتواه بتحريم بيع الاراضي.

وينسب المناضل والشاعر العاملي الكبير "
موسى الزين شرارة" الى عيناتا دورا رئيسيا وحاسما في انتفاضة الـ 1936 الشهيرة للمطالبة برفع اسعار التبغ المحلي، الذي كانت تستلمه الشركة الفرنسية المحتكرة، وزيادة المساحات التبغية. فبعد اعتقال ما يقارب ثلاثين شخصا من شباب ووجهاء بنت جبيل وبينهم شرارة وعلي بزي وعلي بيضون، دبت "مسعودة" البنت جبيلية الصوت في عيناتا سائلة عن "اهل النخوة". يقال حينها ان عيناتيا عميدا في المواقف هو حسن بسام قاد رجال بلدته في تظاهرة كبيرة تولت تكسير ابواب السجن في سراي بنت جبيل لكن المساجين رفضوا المغادرة خوفا من انتقام الفرنسيين من الاهالي. في تلك الانتفاضة لعلع الرصاص وسقط ثلاثة شهداء هم محمد الجمَّال وعقيل الدعبول من عيناتا ومصطفى العشي من بنت جبيل.

"لم ينته الامر هنا"، يضيف الحاج محمد حسن قعفراني، "فقد اقتحم الفرنسيون عيناتا لتأديبها وحرموها من تشييع شهيديها وسمحوا فقط لثمانية اشخاص برفع التابوتين ودفنهما في مدفن خاص قرب جامع البلدة وكلفت أنا شخصيا بتشييد قبة فوق اعمدة اربعة لمدفنهما". هذا المدفن ازيل بقرار جائر وتستعد عيناتا لاعادة الاعتبار لشهيديها في القريب العاجل.

منع الفرنسيون حفر ابيات الشعر التي نظمها السيد صدر الدين فضل الله في رثاء الجمال والدعبول وقال فيها: 

إن الشجاعة والبسالة ضمتا
جدثا يضم محمداً وعقيلا
نذرا فما وجدا وقد حمى القضا
غير الشهادة للحياة سبيلا
رفعا لابناء العروبة راية
تنتابها الاجيال جيلاً جيلا
قد زرت رمسهما وكنت مؤرخاً
لله قبراً بالدماء غسيلا

أرض عيناتا 
تتمدد أراضي عيناتا في كل الاتجاهات ما عدا نقطة تماس عمرانها الجنوبية الغربية ببنت جبيل ويمكن الوصول اليها من مارون وعيترون وكونين ومن ثلاثة مسالك من بنت جبيل وحدها. تلتقي أراضيها بأراضي كونين والطيري وبيت ياحون وبرعشيت وعيترون وبليدا ومحيبيب وشقرا.

لأرضها حكاية تقول بأنه في القرن الثامن عشر، أنجبت عيناتا القبضاي "قاسم سمحات" وكان رجلا لا يرحم ولا يلين اتخذ من "تلة الشومر" في "النقعة" مقرا له لاعتراض القوافل المتنقلة بين سوريا وفلسطين وتدفيع اصحابها الأتاوات اللازمة. كان يذهب الى القرى المجاورة لبلدته ويطلب من أهلها تحديد خراج عيناتا فيأتيه الجواب قسريا: "حدو تحت رجلين حصانو". تدريجيا وسّع قاسم حدود بلدته التي انزلقت في كل الاتجاهات.

ذاع صيت قاسم فأتاه رجل من الجولان يدعى "المصري" وأخذ على عاتقه تحرير المنطقة من سلطانه واتفقا على المباطحة فتصارعا حتى صرعا. البعض لعن عيناتا "على قاسمها" والبعض الآخر مدحها كالشيخ ناصيف النصار بقوله: 

قاسم الند المفدى - نجل سمحات الكريم
قلت تاريخا عليه - رحمه المولى الرحيم 

والحكاية تقول أيضا ان رجال الدين تملكوا أرض عيناتا كلها وتوسعوا بطلب من أهالي قرى مجاورة هربا من ضريبة "الويركو" العثمانية وهي عبارة عن رسم مقطوع على الارض لم تكن تشمل الاراضي الوقفية المسجلة باسم العلماء. 


عيناتا البركة والعيون 
لا اتفاق بين المؤرخين حول أصل تسمية "عيناتا"، لكن بعضهم ينسبها استنادا الى اللغة السريانية الى كثرة العيون المتفجرة فيها تؤنث العين بالسريانية وتصبح عيناتا. وعند كل عين وبئر في البلدة اكثر من حكاية عشق ومبارزة. ويقول شاعر مجهول مرّ بالبلدة البيت الشهير:

على عين عيناتا عبرنا عشية - عليها عيون العاشقين عواكف

وكما في معظم القرى العاملية، ساعد الموقع الانحداري لعيناتا في ان تكون لها بركتها الخاصة. "في السابق كانت البركة القديمة في "وادي الجوز" وحولها أربع شجرات جوز ولنا فيها حكايات وحكايات اما البركة الجديدة فعمرها اكثر من نصف قرن وهي ولدت كمحافر ثم شيّد أهل البلدة جدرانا حجرية حولها. عندما كنا شبابا كانت لنا قصص كثيرة في البركة مع الصبايا اللواتي كن يأتين إليها بالصواني والطناجر والصحون النحاسية لغسلها بالرماد و"السيف" حتى تلمع ويرحن يتبادلن النظرات وأبيات الغزل مع الشباب الذين كانوا يقومون بسقي الطرش والجمال في البركة". يضيف الحاج محمد حسن قعفراني: "طار العمود الحجري من وسط البركة كما طار حجر الصلاة الكبير من جهة "القبلة". انتهت سهرات "الجراشة" للقمح والعدس في نيسان منذ عشرات السنين".

كانت بركة عيناتا رئة حقيقية لمن يريد ان يستحم او يجلي او يروي ظمأ طرشه او زرعه كان الهواء ينسّم من فوق رؤوس صبايا البلدة وزغاريدهن ودبكاتهن لكن أعمال "المقاولات الحديثة" دلّت البعض على كيفية سرقتها فحولوها حاليا الى ملعب كرة قدم وساحة ذكريات خاصة لمن خسروا أحبة لهم غرقا في طياتها يوم كانت سخية بمائها وطقوسها. 


عيناتا والسياسة 
لا شخصية عيناتية معاصرة تختزل تاريخ البلدة السياسي النضالي مثل ذيب وهبه الذي يعرفه أهل القرية بـ"ذيب سعدى". ذاكرة متواضعة وصادقة وحية ومثالية بكل ما للكلمة من معنى. قصته مع السياسة بدأت في مطلع الأربعينيات عندما بادر مع ثلة من الشباب المتوقدين حماسا على إنشاء جمعية اجتماعية خيرية. الهم كان تخليص الفلاحين من سطوة إقطاعيي البلدة المحليين، لكن وجهاء القرية "دفشوا أولادهم لتزعم الجمعية فخربوها وعطلوها بسبب التنافس على الوجاهة".

يقول ذيب: "استقل لبنان عام 43 فأنشأ رشيد بيضون "حزب الطلائع" في بيروت لمواجهة الاقطاع السياسي ولا سيما الأسعدي. تجمعنا جيلا يقدر بنحو خمسين شابا من عيناتا وانضوينا في الطلائع استعدادا للانتقام من الاستغلال الاقطاعي المحلي. كان زعيمنا في البلدة نجيب خنافر أبو حبيب، اما زعيم أخصامنا النهضويين "حزب النهضة" بزعامة آل الأسعد، فكان خليل ابراهيم المعروف بـ"خليل بوعبدو". انتخبنا في الطلائع محمود سمحات أبو سليمان أمينا للصندوق فألزم الملاكين اصحاب الاراضي بدفع مبلغ رمزي مسبق كبدل العمال الذين يتولون "حلاشة" حقولهم. تطورت أوضاع حزب الطلائع في عيناتا ووصل عددنا الى اكثر من ستين طلائعيا قسمونا الى طلائع. علمنا كان أسود اللون وارتدينا "الطواقي" السود. أيضا فرزوا لنا مدربا من بيروت يدعى محمد أيوب وألزمونا بشراء كتب للتعرف على قانون الدولة حول الحقوق والواجبات لئلا يقدم أحدنا على ارتكاب مخالفات قانونية. بعد انتهاء التدريب تم تعيين المختار القديم علي حسين وهبي ضابطا علينا يساعده نائبان، الاول هو إبراهيم نصر الله والثاني هو محمود سمحات، الذي استلم تدريبنا في وقت لاحق. دفّعونا ثمن اللباس الحزبي الرسمي وأتونا بالألقاب: شاويش، عريف، شرطي إلخ.. شعارنا كان "للبنان العروبة طلائع - لبيك". هذا الحزب أدى غرضه في مرحلة معينة على الأقل بالنسبة إلينا نحن الذين تحمسنا لمحاربة الاقطاع والاستغلال".

بعد الطلائع بدأت مرحلة جديدة من حياة ذيب وهبة مع البعث الذي ادخله أسد شرارة الى عيناتا في العام 1955 وكان قد سبقه من الحزبيين سليمان بدير الذي عاد من الارجنتين في العام 1928 شيوعياً بامتياز فأنشأ خلية حزبية ضمته وعبد عبد الله سمحات وعبد علي ايوب. لم يحمل بدير أفكار ماركس وانجلس ولينين فحسب بل "المته" الارجنتينية التي صارت تقليداً عيناتياً..

مع ولادة البعث، صارت اكثرية شبيبة عيناتا بعثية ويقال ان "ذيب سعدى" هو أول من شارك بالدورات العسكرية في سوريا واقتنى السلاح البعثي في مطلع الستينيات وفتح خطا مع الفلسطينيين قبل انكشاف أمرهم غداة اتفاق القاهرة. في العام 1956 كان على رأس من تظاهروا في بنت جبيل لنصرة جمال عبد الناصر عندما أمم قناة السويس وحمل ذيب العلم العربي وراح يهتف وهو مرفوع على الاكتاف في ساحة بنت جبيل "القنال ملكنا". ومع الثورة الجزائرية كان ذيب أول من تظاهر مناصراً لها وجامعاً التبرعات للثوار الجزائريين. لم تحصل تظاهرة دفاعاً عن لقمة الخبز وشتلة التبغ إلا وكان في طليعتها. يبرر هذا المناضل سلوكه بالقول: "تربيت على كره الظالمين والمستبدين والاقطاعيين ولن أبدل ما حييت".

يقال في ذيب الكثير ولكن اجمله ما قاله احد رفاقه: "له في ذمتنا جميعاً وليس لأحد في ذمته شيء... لقد ولد فقيراً وعاش فقيراً... لم يستفد بقرش واحد من الدولة والاحزاب والفدائيين... رأسماله دكانه وضميره.

يجلس ذيب اليوم على "طراحة" قماشية و"تكاية" في أرض دكانه يستقبل العائدين ويفرح لفرحهم. اعتقل وهدِّد مراراً في زمن الاحتلال بتهمة "انه يحمل أسرار المناضلين في بلدته الاحياء منهم والاموات" على حد سواء. قبل شهور من التحرير وجد العملاء شعار "كلنا مقاومة" مكتوباً على حائط بقرب دكانه. حققوا معه في الـ17 لكنهم كانوا يعرفون ان رجلاً مثله كان يدرك عندما قرر البقاء في بلدته بأنه محكوم اما بالابعاد او الاعتقال او ان يبقى مرفوع الراس... وهكذا كان. 


عيناتا والثقافة 
مع صفة المقاومة، هناك تلازم آخر بين عيناتا وبين الثقافة. في البدء كانت الأسرة الخاتونية وانتقلت الراية الى آل فضل الله وعائلات اخرى. مدرسة عيناتا المعاصرة انشأها العالِم الفقيه السيد نجيب ابن السيد محيي الدين فضل الله الحسني ثم أفل نجمها بوفاته. حدث ذلك عام 1900 ميلادية ومر بها متعلماً امثال عبد الكريم شرارة يوسف الفقيه الحاريصي، عبد الرضا الحانيني، محمود مغنية، محمد سعيد فضل الله، عبد الرسول ابراهيم وغيرهم.

الكبار في عيناتا يتفقون على "رواية جميلة". احد المعمرين مواليد 1895م. يقول: في "أواخر سنوات العهد العثماني، تلقيت القراءة وحفظت القرآن على يد السيدة الشريفة جميلة ابنة السيد جواد فضل الله في مدرستها التي كانت قائمة في "حارة السياد". كان الاجر آنذاك عبارة عن أقراص كبة في فترة الصحو وحطب وزبل في ايام البرد وخبز مرقوق في كل الاوقات".

كثرت المدارس الدينية في عيناتا في العشرينيات والثلاثينيات وولدت مدرستها الرسمية الاولى في نهاية الاربعينيات. المحطة الثقافية البارزة في تاريخ عيناتا الحديث هي ولادة النادي الثقافي الاجتماعي في العام 1971 في عز النهوض اليساري الذي شهدته المنطقة الحدودية. تتذكر عيناتا جيداً مشهد "السيد موسى الصدر" وهو يشارك شبان وشابات عيناتا الدبكة في ساحة بلدتهم احتفاء بتدشين مقر النادي وأصر على ان يتبرع بمبلغ مئة ليرة لاعماله اللاحقة.

باكورة أعمال النادي المميزة كانت مسرحية "القانون ختم وبرنيطة". وضع السيناريو من قبل اعضاء اللجنة الفنية في النادي. الفكرة اقترحها عبد اللطيف قطيش والهدف منها نقد سلوك وممارسات الدولة و"العملاء" لها، المختار، الشاويش، الوشاة وبعض الزعامات. لم يكن "روجيه عساف" قد أطل على الخشبة لكن نادي البلدة استنجد به للاطلاع على النص والشخصيات المختارة وهم طلاب وعمال عاديون من عيناتا اعجب روجيه بالنص واضاف لمساته إليه وتولى الاخراج وقدِّمت المسرحية على مسرح اقيم خصيصاً في مدرسة البلدة في صيف العام 1974 ولقيت نجاحاً كبيراً وتم عرضها في عدد من البلدات الجنوبية. كما يسرد رئيس نادي البلدة آنذاك علي ابراهيم هناك عبارة لا يزال بعضنا يتذكرها تقول "ما داموا شطوطِك يا ’عبَيدة’ البقرة هز الدولة كيف لو شي تاني". هذه الواقعة حصلت مع المزارع عبد الحسن جعفر وقام المختار بالشكوى عليه "لأنو طرشاتو عم بيوسخوا الضيعة". 


عيناتا الآن 
عيناتا الآن، كيفما تدخلها تقابلك صور شهدائها المقاومين الواحد تلو الآخر: أسعد يوسف ابراهيم، كمال محمد نعيم عبدالله، عبد الله موسى النمر، يوسف عبد الله نصر الله، عباس ديب نعمة، طارق محمد الصغير، سمير مطوط، محمد حسين سمحات، غسان علي غانم، وأحمد فضل الله. العمل جار لإقامة نصب للشهداء المقاومين بمحاذاة جامع البلدة.

أكثر من ألفين وخمسمئة نمسة يقيمون فيها حاليا، وهو رقم مضاعف بالمقارنة مع ما قبل التحرير، علما ان العدد الاجمالي للسكان هو 11,500 نسمة - 3752 ناخبا. التجمع الأساسي للمغادرين هو في الضاحية الجنوبية لبيروت - نحو 500 عائلة. وفي صيدا وصور والجنوب 250 عائلة تقريبا.

التيار الكهربائي مؤمن على مدار الساعة نسبيا ولكن لا إنارة عامة للطرقات المحفرة بالجملة. امور المياه غير مستقرة وتحتاج الى ضوابط لتنظيم وصولها الى حارات البلدة من البئر الارتوازي الموجود في محلة "فريز"، وخاصة أن جغرافيا البلدة غير السهلة - أربع هضاب هي السدر والمطيحنة والسلاسل وفريز العقبه، تتطلب وجود خريطة للقساطل المائية و"سكورات" لم تتوفر حتى الآن. لا بلدية في عيناتا والشأن البلدي يتولاه القائمقام ابراهيم درويش، هناك مختار هو رامز خنافر وحلت اللجنة التي كانت تتولى امور البلدة الخدماتية. حاليا يجري السعي لاحياء لجنة جديدة، لكن المسعى يصطدم بكثرة الطامحين وتعدد الهيئات: النادي، جمعية عيناتا الخيرية، الجمعية الاسلامية، التعاونية الزراعية، فضلا عن الثنائي الشيعي "امل. "حزب الله.. علما ان الحزب يطرح نفسه حاليا كمرجعية سياسية أمنية خدماتية إدارية وهي أطروحة تحظى بتحفظ نتيجة التنوع التاريخي القائم في البلدة: "حزب الله. أولا ثم ثلة "الشباب المؤمن" التي توالي السيد محمد حسين فضل الله قبل ان توالي غيره، اليسار بتنوعاته وتلاوينه "السابقة" مع نزوع جزء او بعض منه الى فتح قنوات مع أدوات أو رموز في السلطة طمعا بالمناصب او المكاسب. هناك إقصاء مباح من "الفاعلين" للرموز الاقطاعية التقليدية في البلدة. الفريق الذي كان يستفيد من حضور الاحتلال وأدواته سابقا يحاول إيجاد مراكز تحميه في مرحلة التحرير ولذلك يسارع الى المبايعة المحسوبة بدقة متناهية. "أمل" موجودة بحذر. والسؤال المطروح في خضم الصراع المفتوح على مصراعيه في البلدة حول من تكون المرجعية التي ستمسك بقرار عيناتا في المرحلة المقبلة الفاصلة عن انتخابات بلدية يرجح حصولها في أيار او حزيران 2001؟

الوضع التربوي في عيناتا يحتاج الى وقفة جريئة في ظل العدد القليل من التلاميذ المسجلين في المدرسة الرسمية ونزوع الاهالي ما عدا الفقراء منهم، نحو تسجيل اولادهم في المدارس الخاصة في عين ابل ويارون وعيترون وبنت جبيل. مقابل كل تلميذ في مدرسة عيناتا يوجد ثلاثة خارجها، بينما تسجل تخمة في عدد افراد الهيئة التعليمية استنادا لعدد التلاميذ الحالي وليس المرتجى. يوجد معلم لكل خمسة تلاميذ تقريبا.

ويقول الخبراء بشؤون البلدة ان أسبابا عدة تقف وراء توجه اغلبية الاهالي نحو المدرسة الخاصة ابرزها: ترهل وضعف الكادر التعليمي، غياب الرقابة، عدم ثقة الأهل بالمدرسة الرسمية، عامل الغيرة وتقليد الغير، عدم انتظام العلاقة بين الأهل والادارة، غالبية المتجهين نحو المدرسة الخاصة هم من الموظفين ولا سيما المدرسين وأصحاب المهن الحرة، ويشير الى أن المبنى الجديد للمدرسة في العقبة يحتاج الى كادر تعليمي جديد والى تجهيزه بالمعدات اللازمة بما في ذلك المكتبة والملعب والمختبرات فضلا عن اعتماد المناهج الجديدة.

عيناتا تحتاج الى وقفة عند القطاع الزراعي من خلال تشجيع قيام التعاونيات الزراعية ومنع احتكار الرخص والمساحات التبغية على اساس المحسوبيات واعادة الاعتبار للمشروع الاخضر وتقديم المساعدات والتوجيهات اللازمة للمزارعين كما يقول أحد مزارعي البلدة.

تواجه عيناتا هما بيئيا في غياب شبكات التصريف الصحي وأي مكب حديث للنفايات واحتراق العديد من حقولها ولا سيما في مدخلها الرئيسي من جهة "صف الهوا" الذي كان في يوم من الأيام محط إعجاب ريمون اده عندما زار عيناتا في نهاية الستينيات.

 

 

 

العلامة السيّد محمد حسين فضل الله
يعود إلى مسقط رأسه في عيناتا


السفير (26 حزيران 2000)

 

      لم يكن زائراً عادياً، ولم يكن مسقبلوه امام واجب بروتوكولي وحسب. هو الموعد الذي انتظره "السيد" حوالى ربع قرن ليعود الى مهد طفولته وشبابه وثقافته، فيجد الاماكن والوجوه قد تغيرت لكن المحبة والاصالة ما تبدلت ابداً... في عيناتا وبنت جبيل وكل قرية وبلدة ودسكرة جنوبية مر فيها موكبه.

عند حافة الحرب الاهلية كان السيد محمد حسين فضل الله، ولعشر سنوات خلت، داعية للاسلام الحركي، من حزام البؤس الشيعي في النبعة وبرج حمود، ووجد نفسه في العام 1976 مهجراً مع الآلاف ممن نزحوا نحو غرب العاصمة او الجنوب او البقاع...

في مسجد الامام الرضا في بئر العبد كان يؤسس لحقبة جديدة تخرّج من مدرستها اولئك الشبان الذي انتفضوا على جيش امين الجميل واحرقوا العلم الاسرائيلي احتجاجاً على 17 أيار. وتحول بعد ولادة "حزب الله" الرسمية في العام 1983 الى "مرشد روحي" له حسب التعبير الذي اسرف الاعلام الغربي في استخدامه حتى الامس القريب، وصار رأسه مطلوباً كأحد رموز "الارهاب العالمي"، ولعل ذلك ما يفسر محاولات الاغتيال التي تعرض لها على مدى عشرين سنة والتي أُعلن عن ثلاث منها فقط.

بالامس، عاد السيد محمد حسين فضل الله، الى مسقط رأسه عيناتا والى بنت جبيل التي ذهبت الى النجف لتنادي بوالده الجليل السيد عبد الرؤوف فضل الله إماما ومجتهداً وتزوِّجه السيدة رؤوفة بزي ابنة الحاج حسن بزي وشقيقة النائب والوزير الراحل على بزي.

ها هو "السيد" في بنت جبيل ابناً باراً للبلدة التي احتضنت والده كما احتضنته واخوته في دروب تنقلهم بين النجف وجبل عامل. ها هو "السيد" في عيناتا امام مقام ومنزل جده السيد نجيب فضل الله والحسينية التي اشرف على بنائها حجراً حجراً.

انه المعنى المختلف للزائر... انه الآتي الى اهله حاملا فوق رأسه هالة الدائرة الكبرى من الاسلام الحركي الذي طالما انتمى اليه... هذا هو خطابه المترفع عن الدوائر الصغرى الضيقة يلقيه امام اسرته الكبيرة تحيط به ثلة من العلماء والناس الطيبين. وها هو "حزب الله"، برغم الجفاء الملتبس بينه وبين "السيد" في السنوات الاخيرة على خلفية الاختلاف حول مسألة المرجعية، يقوم بواجب التحية ل"المقاوم الاول" بمواقفه وفتاويه يوم كان العالم كله يقف ضد منطق الممانعة في لبنان، حيث شارك وفد قيادي كبير منه، برئاسة عضو "شورى القرار" السيد هاشم صفي الدين باستقبال "السيد" ومرافقته خاصة في محطته البنت جبيلية.

لقد شاء "السيد" ان تكون زيارته عائلية وحميمة وصادقة، فغاب عنها الفولكلور وحضر خطابه المحبب، قال للناس: هناك في عمق كل واحد منا عمق متخلف، ودعاهم الى تحطيمه والانطلاق في حركيتهم في خط الجمال وصنع الجمال في الانسان قائلا لهم: "إن وطننا جميل فتعالوا نُزده جمالا ونغرسه محبة".. قال "الآخ" وكأن كل واحد من اهله كان يرددها معه عندما صارحهم: الكل ينتظر في بلدنا كلمة سر... آخ ما اكثر ما قتلت كلمة السر مستقبلنا.

عاد النجفي العاملي الى عيناتا وبنت جبيل وسبقته صوره الى هناك في مشهد لم يألفه جمهوره من قبل... عاد المجتهد العنيد صاحب الفتاوى المثيرة للجدل، الى القرى الامامية، فاذا بها تكبر بحضوره... عاد المساجل والمشاكس الحاد فاذا بكلمات يحفظها الناس عن ظهر قلب في القرى التي اشتاقت اليه منذ ربع قرن.

 

"بعد ربـع قـرن"
كلمة العلامة السيد محمد حسين فضل الله في بنت جبيل

 

 

جمعية المبرات

 

 

 

2001/03/20

 

Assafir


 سلامة يلتقي كابيلا وينقل عنه "أجواء مطمئنة"
عيناتا وطيردبا وبرج البراجنة الحزينة تشيّع ضحاياها بالدموع

 ثناء عطوي وكامل جابر


العلامة السيد فضل الله يصلي على جثمان الشهداء

شيّعت بلدات عيناتا وطيردبا وبرج البراجنة تسعة من ضحايا جريمة الكونغو في مآتم حاشدة تميزت بالحضور الرسمي والسياسي والحزبي والشعبي والدعوات إلى معاقبة القتلة وحماية الاغتراب اللبناني ومعالجة أوضاع السفارات في الخارج.
وفي هذه الأثناء، استقبل الرئيس إميل لحود المدير العام للمغتربين هيثم جمعة الذي أطلع رئيس الجمهورية على نتائج المهمة التي قام بها في الكونغو بعد الجريمة التي أدت إلى مقتل 11 لبنانيا من أبناء الجالية على أثر مقتل الرئيس الكونغولي السابق لوران ديزيريه كابيلا.

وقد عرض جمعة على الرئيس لحود حصيلة اللقاءات التي عقدها مع الرئيس الكونغولي الجنرال جوزف كابيلا والمسؤولين، وأبناء الجالية اللبنانية بهدف جلاء ملابسات مقتل اللبنانيين، ونتائج التحقيقات التي جرت في هذا الصدد. ونقل جمعة، ارتياح أبناء الجالية اللبنانية وامتنانهم للجهود التي بذلها الرئيس لحود وأركان الدولة اللبنانية لمعالجة ذيول ما حصل في كينشاسا، وما تلقاه من الرئيس الكونغولي والمسؤولين من تطمينات لأبناء الجالية اللبنانية.
كذلك أطلع جمعة رئيس الجمهورية على الظروف التي يعيش فيها اللبنانيون في الكونغو.
وفي هذا الإطار كلّف رئيس الجمهورية عدداً من المحافظين والقائمقامين تمثيله في تشييع الضحايا في قراهم، وتقديم تعازيه إلى ذويهم.

وفي كينشاسا استقبل الرئيس الكونغولي الجنرال جوزف كابيلا أمس، موفد رئيس الجمهورية العماد إميل لحود، وزير الثقافة الدكتور غسان سلامة ومدير الشؤون السياسية في وزارة الخارجية السفير ناجي أبي عاصي والعميد ماهر الطفيلي رئيس شعبة المعلومات في المديرية العامة لأمن الدولة.
وقد سلم الوزير سلامة، الرئيس كابيلا رسالة خطية من الرئيس لحود تتناول التطورات التي حصلت في الكونغو مؤخرا وطاولت عددا من اللبنانيين المقيمين في كينشاسا. وعُلم أن أجواء اللقاء كانت إيجابية، وأن الرئيس كابيلا حمّل الوفد الرئاسي اللبناني <<مواقف مطمئنة>>.
وكان الوفد اللبناني وصل الى مطار كينشاسا حيث كان في استقباله وزير الخارجية الكونغولية، واصطحبه مباشرة إلى القصر الرئاسي للاجتماع بكابيلا.
وفي الإطار نفسه، أوصت لجنة الشؤون الخارجية والمغتربين النيابية الحكومة الإسراع في كشف ملابسات جريمة الكونغو وطالبت وزارة الخارجية بالتحقيق مع المسؤولين في السفارة اللبنانية في كينشاسا ومحاسبة المقصرين.

انتحب حتى انفجر كل من كان حوله بكاءً وأحمر لوَّن العيون الفارقة دمعة وحسرة على مَن فقد. مرة جديدة <<أبو نبيه>> نصر الله هو الحكاية والبداية التي لا نهاية لها لأن الحزن الذي يعتصر قلب هذا الرجل يكبر يوما بعد يوم. لكأن الرجل جُبل من الغضب والفجيعة والندم والانكسار والانتظار الذي استراح بالأمس في التراب لحظة احتضنت عيناتا أبناءها المغتربين ليس في مواسم الصيف التي تحلو لها ولهم بل في مواسم عاشورائية غرقت معها البلدة بالأسود والعويل والنعوش الستة التي تنافست الراحات على الرقص فيها في عرس موت لم تشهد البلدة مثيلا له من قبل.
لبست عيناتا بالأمس ثوب الحزن، وخرجت بشيبها وشبابها ونسوتها وأطفالها لاستقبال ضحايا الاغتراب: نبيه عبد الرسول نصر الله وشقيقه رضا، محمد علي خزعل خنافر وولديه حسن وحسين وإبراهيم محمد خزعل خنافر. منذ التاسعة صباحا وحتى وصول موكب النعوش القادم من العاصمة، لم يتوقف البكاء والنحيب وقصائد الرثاء التي كانت تقطع قارئ القرآن بين الحين والآخر. والفاجعة حلت على البلدة بأسرها، فرفعت في شوارعها الداخلية وعند مدخلها لافتات ورايات سوداء عبرت عن مأساة البلدة بفقدان أبنائها الستة، وغصت الساحة بين الجامع والحسينية بأهل العزاء والمشيّعين فيما انهمك الجميع بالتحضير لاستقبال العائدين القتلى وعائلاتهم المنكوبة، وسط انتشار كثيف لعناصر قوى الأمن الداخلي ودوريات للقوة الأمنية المشتركة.
وما إن بلغت الساعة الحادية عشرة والنصف، حتى طلّ موكب الجنائز آتياً من ناحية مثلث صف الهوا بعدما عبر تبنين وبيت ياحون وكونين، وتعالت صرخات التكبير وصيحات وولولة النسوة اللواتي استقبلن الموكب بالتلويح والنحيب خصوصا بعد وصول عائلات الضحايا وأبنائهم. وعلى جانبي الطريق من مدخل البلدة إلى الساحة اصطفت مجموعات من الشباب مترابطين بالأيدي من أجل منع التدافع نحو سيارات الإسعاف التي أقلت النعوش والتابعة للهيئة الصحية الإسلامية. أكثر من ثلاثة آلاف مشيِّع غصت بهم ساحة عيناتا، وغرقت يلوعها النواح والنحيب والصرخات المتعالية بحشرجة لوعة الفراق، فهذه تصرخ يا أخي وتلك يا ولدي وأخرى <<يا حبيباتي>>، وبعد دقائق 

معدودات رُفعت النعوش الستة على الأكتاف والأكف، ما زاد من حرقة البكاء ومرارة المجزرة.
وانطلق موكب التشييع من الساحة نحو جبانة البلدة في شارع خلة الدارس، الذي لم يشهد قبلا لهذا الحشد الحزين، وتقدمت المشيعين فرقة من كشافة المهدي حملت الأكاليل وصور الضحايا، وخلف النعوش القائمقام ابراهيم درويش ممثلا رئيس الجمهورية والنائب علي بزي ممثلا رئيس مجلس النواب ووفد من <<حزب الله>> برئاسة النائب نزيه منصور ممثلا أمين عام الحزب السيد حسن نصر الله والسيد علي فضل الله ممثلا والده السيد محمد حسين فضل الله ومسؤول حزب الله في الجنوب الشيخ نبيل قاووق والنائب قاسم هاشم والنائب علي حسن خليل والنائب السابق حسن علوية ووفد من حزب البعث العربي الاشتراكي برئاسة محمد قواس، وممثل لمدير عام المغتربين ووفد من الجامعة الثقافية اللبنانية في العالم وفاعليات حزبية وسياسية واجتماعية وثقافية واغترابية ثم عائلات الضحايا.
وفي جبانة البلدة بعد مسير نحو كيلومتر، ووريت جثث ضحايا الاغتراب موزعة في قبرين جماعيين كبيرين ومتجاورين، وجرت مراسم الوداع الأخير وسط نحيب عبد الرسول نصر الله الذي لم يتمكن من احتضان ولديه نبيه ورضا العائدين مذبوحين من الغربة فاستعاض عن ذلك بمعانقة نعشيهما مطلقا بكاء موجعا، والصراخ المشحون بلوعة الفراق من أرملتيهما وبناتهما وأرملة محمد علي خزعل، والدة الشقيقين القتيلين حسن وحسين، ووالدي وشقيقات وأخوة إبراهيم خزعل خنافر والأقارب والمحتشدين في المكان.

بعد ذلك قام وفد <<حزب الله>> الذي شارك في التشييع بزيارة منازل الضحايا معزيا بهم.
واستنكر النائب قاسم هاشم في تصريح له المجزرة البشعة والأسلوب الوحشي الذي اعتمد في تصفية هؤلاء الشهداء.
فضل الله
وكانت قد أقيمت الصلاة صباحا على أرواح ضحايا عيناتا في مسجد الإمامين الحسنين في حارة حريك وأمّ المصلين السيد محمد حسين فضل الله بحضور النائب نزيه منصور وحشد من أبناء عيناتا المقيمين في العاصمة والضاحية الجنوبية. وبعد الصلاة ألقى السيد محمد حسين فضل الله كلمة قال فيها: <<يجب أن تأخذ الدولة ولبنان كله العبرة مما جرى وأن تقوم بدراسة شاملة لمسألة الاغتراب اللبناني ولا سيما في أفريقيا والذي تثير إسرائيل المشاكل المتنوعة والمتعددة في وجهه وانتقد إهمال السلطة اللبنانية وقال: كنا نود أن يستنفر لبنان كله عندما جاءت الأخبار باعتقالهم ظلما وعدوانا والمشكلة هي أنه ليست لدينا سياسة مدروسة واعية تعمل على رعاية الاغتراب اللبناني، واستدرك معربا عن تقديره لما قامت به الدولة <<وإن جاء ذلك متأخرا>>، وقال: اننا نريد للدولة أن ترسم خطة من موقع الرئاسات الثلاث تحمي اللبنانيين في الخارج لتعرف كل الدول بأن للبنانيين كرامة وأن هناك دولة ترعاهم في جميع حالاتهم.
ومن مسجد الإمامين الحسنين انتقلت النعوش في موكب كبير إلى عيناتا وكانت له محطتان في خلدة ثم في صور.
طيردبا
وودّعت بلدة طيردبا في قضاء صور الضحيتين حسان ومحمد مغنية اللذين وصلت جثتاهما أمس الأول من كينشاسا وذلك وسط أجواء من الحزن والأسى خيمت على البلدة المفجوعة بمقتل الشابين والتي تكللت معظم منازلها وطرقاتها بالسواد حدادا على روحي الشهيدين واستنكارا لمقتلهما.
وكان أهالي البلدة قد تجمعوا منذ الصباح في محيط منزل مغنية بانتظار وصول الجثتين، وعند العاشرة والنصف أطلت سيارتان تابعتان للهيئة الصحية الإسلامية تحملان نعش المغدورين، وكان في استقبالهما قائمقام صور حسين قبلان ممثلا رئيس الجمهورية، والنائب علي خريس ممثلا رئيس مجلس النواب نبيه بري، وعضو كتلة المقاومة الحاج عبد الله قصير ممثلا أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله، والشيخ محمد مغنية ممثلا نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي المفتي الشيخ عبد الأمير قبلان وفعاليات اجتماعية واغترابية وحشد من الأهل والأقرباء.
وقد شهدت لحظة إنزال النعشين الى منزل العائلة لتوديعهما حالات تدافع وإغماء حيث فقدت زوجة حسان مغنية فاطمة الحاج علي وعيها كما شقيقاته والكثير من الشبان مما اضطر مسعفو الهيئة الى إخراج النعشين على الفور وسط رفض الأهالي تركهما والتشبث بسيارة الإسعاف مانعين إياها من التحرك والسير حتى تدخلت القوى الأمنية وفرّقت المشيعين.
بعد ذلك انتقل موكب التشييع الى جبانة البلدة وصلّى على جثمان الشهيدين إمام مسجد طيردبا حسين غبريس ثم ووريا الثرى.
وقدّم النائب قصير التعازي باسم نصر الله وقال ان الجريمة بحق الاغتراب هي جريمة بحق الوطن والمقاومة لأن الاغتراب كان وما يزال يدعم المقاومة.
وشيّعت بلدة برج البراجنة في مأتم حاشد، أمس، الشاب محمد نبوه، ثم تقبل أهله التعازي من حشد كبير من الشخصيات والمواطنين.
ومثل قائمقام المتن جوزف حبيش الرئيس إميل لحود في حضور مراسم دفن الشهيد محمد نبوه في جبانة الرادوف الرويس في برج البراجنة.
بكري
... وأُرجئ تشييع المغترب يوسف بكري في بلدته صير الغربية (النبطية) الى بعد ظهر اليوم بسبب مشاركة ذويه في تشييع أبناء خالته المغتربين الشقيقين حسان ومحمد مغنية في بلدتهما طيردبا قضاء صور قبل ظهر أمس.
وبقي جثمان بكري في براد مستشفى الرسول الأعظم في بيروت على أن ينقل الى صير الغربية صباح اليوم حيث سيوارى الثرى في جبانتها بحضور محافظ النبطية القاضي محمود المولى ممثلا رئيس الجمهورية العماد إميل لحود.
ووجه النائب محمد فنيش أمس، سؤالاً إلى الحكومة بواسطة رئاسة المجلس حول مقتل اللبنانيين في الكونغو، وسائلاً إذا كانت ستكون هذه الجريمة بداية لإعادة نظر في أدائنا الدبلوماسي وعلاقاتنا مع الدول الأفريقية لرفع الضرر عن اللبنانيين وبعث الطمأنينة في نفوسهم وما هي الإجراءات المتخذة لتحقيق هذا الهدف.

 

 

 

2001/03/9

 

Assafir


 رحلة العذاب من عيناتا إلى كينشاسا
حزن جارف في عائلة عبد الرسول نصر الله:
أكتبوا، لا نريد مسؤولاً في بيتنا للتعزية

 ح أ


قبل أن نودّع <<أبو نبيه>> ومن كانوا حوله، قال ولده علي: <<أكتبوا في جريدتكم أننا نتمنى على جميع النواب والمسؤولين عدم المجيء إلينا لتعزيتنا لأننا سنقفل أبواب بيوتنا بوجوههم>>.

لوعة ما بعدها لوعة وحزن جارف يختار <<أبو نبيه>> احدى الغرف المغلقة، لإفراغ بعض حمولته، غير ان الصوت يأتي ويُبكي جميع الحاضرين قبل ان يصل علي ويقول له: <<يا والدي ألا تؤمن بمشيئة الرب... إنها مشيئته ولا حول ولا قوة إلا بالله>>.

ندر أن تجد بيتا في عيناتا لم ينل حصته من الغربة والاغتراب، حتى أصبح المورد الاغترابي ركيزة أساسية لحياة القرية التي عانت عذابات الاحتلال طيلة ربع قرن، فهجر الكثيرون من أهلها ودمرت المواسم وتغيرت أحوال كثيرين وتبدلت نواحي الاغتراب وظلت القارة السوداء تفتح ذراعيها للراغبين بتجربة حظهم لعلهم يجدون فرصة عمل تعوض الحرمان الذي زاد من وطأته واقع الاحتلال الطويل.

<<أبو نبيه>> عبد الرسول نصر الله، رجل عصامي ربى عائلة تميزت بعزة النفس وجهادها في سبيل حياة أفضل.. من عيناتا الى كينشاسا رحلة طويلة مر في طواحينها الوالد واولاده الاربعة نبيه ويحيى ورضا وعلي... عملوا بكد وسعوا الى بناء ذواتهم حتى تكون لأولادهم من بعدهم فرصة علم وعمل لم تتوفر لهم بفعل الظروف القاسية التي مروا بها...

ومثل الكثيرين من أبناء الجالية اللبنانية في كينشاسا كانوا مع كل خضة تشهدها جمهورية الكونغو، يضعون كل جنى العمر في لعبة حظ... واستبشروا خيرا عندما أتى قطاف التحرير في أيار الماضي، فكل واحد منهم يحلم ببناء بيت وأسرة في قريته، وجاءهم خبر وفاة والدتهم بمرض السرطان الخبيث في الصيف الفائت، فتعذر على يحيى ورضا ان يشاركا في تشييعها بسبب ظروف العمل الصعبة.

في يوم مقتل الرئيس الكونغولي لوران ديزيريه كابيلا في السادس عشر من كانون الثاني الماضي، اقتحمت مجموعة من القوات الحكومية مبنى يقطنه لبنانيون في كينشاسا. جاؤوا تقول الرواية يبحثون عن عبده حسن سعد وهو شاب من بنت جبيل جاء لتمضية السهرة عند أصدقائه من بلدة عيناتا... وعلى وقع اقتحام الأبواب وعويل النساء، خرج الجميع من شققهم للاستفسار وبينهم نبيه ورضا نصر الله وأبناء قريتهم محمد علي خزعل وولداه حسن وحسين وقريبهم إبراهيم خزعل.... وكانت حصيلة المداهمة توقيف اثني عشر مواطنا.

وتحسبا لتعريض حياة العائلات للخطر، بادرت النسوة الى الانتقال مع أطفالهن إلى السفارة الايرانية بعدما حاولوا طرق أبواب سفارتهم فوجدوها مقفلة وحاولوا الاتصال بسفيرهم شحادة المعلم فوجدوا خطه الخلوي أخرس، وظل كذلك لأكثر من أسبوعين، وعندما أجاب على اسئلة المستفسرين اكتفى بالقول: <<الأمر ليس مسؤوليتي ولا تراجعوني في الأمر بعد الآن>>...

وفي موازاة قلق العائلات والجالية في كينشاسا، تحرك ذوو المخطوفين المفقودين في بيروت، فألفوا لجنة سعت للقاء المسؤولين، <<فإذا بالأبواب توصد بوجهها ثلاث مرات من قبل رئاسة المجلس النيابي كما يقول علي نصر الله عضو اللجنة وكذلك في وزارة الخارجية عندما قرر وزير الخارجية ان يقابلهم لتخفيف الضجة التي احدثوها اثناء اجتماعه بأحد المسؤولين الاجانب>>.

ومثلما اصطدمت اللجنة باللامبالاة الرسمية، واجهت تقصيرا إعلاميا فادحا. ويقول عم الشابين نبيه ورضا: <<كنا نتمنى ان يعتبروا ال11 شابا يساوون شعرة واحدة من شعرات ماري معربس التي أقاموا الدنيا وأقعدوها لأجلها، فإذا بها تكافئ المسؤولين على اهتمامهم وطائراتهم ووزرائهم الطيارين من بلد الى آخر لأجلها، بإنكار لبنانيتها>>.

ويقول <<أبو نبيه>>: في ذكرى أربعين الامام الراحل محمد مهدي شمس الدين ذهبنا الى مسجد الامام الصادق ونصبنا <<كمينا>> للمسؤولين وعندما عرفوا اننا هناك، هربوا جميعا وزراء ونوابا، ولم يتجرأ احدهم على مقابلتنا. ثم ذهبنا لنقل شكوانا الى المفتي الشيخ عبد الأمير قبلان فإذا به يستقبلنا بسؤال رددنا عليه بالقول: نحن يا <<سماحة المفتي>> نحب كل إنسان نرى فيه الخير، وبهذا المعنى نحب <<السيد>> ونحبك>>.

وحده <<حزب الله>> شرّع أبواب قيادته وإعلامه للجنة الأهالي وساهم لقاء امين عام الحزب السيد حسن نصر الله برئيس الحكومة رفيق الحريري في فتح الطريق امام لقاء مطول بين الاهالي ورئيس الحكومة، وكان الوعد بإرسال مدير عام المغتربين هيثم جمعة الى كينشاسا ولما وصل امس الاول (متأخرا 45 يوما)، كان قد سبقه وزير <<العدل>> الكونغولي مويزي كونغولو بإعلان نبأ مقتل اللبنانيين المفقودين في كينشاسا، فإذا بمهمة المبعوث الرسمي الرفيع المستوى كما أوردت الوكالة الاجنبية هي مهمة بحث عن أسماء ولملمة جثث بعد ان فات الأوان.

يقول علي نصر الله شقيق نبيه ورضا: <<الأسف كل الأسف لأننا نحمل هوية لبنانية... لو اهتم المسؤولون بالقضية بالمستوى المطلوب لما كنا وصلنا الى ما وصلنا إليه... الدولة كلها قصرت معنا وكذلك الاعلام، والكلام لم يعد يفيد لأن الجريمة حصلت>>.

حتى الآن، لا يتقبل أهالي عيناتا التعازي رسميا بضحاياهم المفترضين فالأمل بأن يكون قد نجا أحدهم بالصدفة، أيا يكن اسمه لعل ذلك يخفف وطأة المذبحة ويأتي من يروي ما حصل في تلك الليلة الجبانة.